إلغاء الاتفاقيات حين يُضرب أمن الصومال واقتصاده لصالح صراعات
يمثّل قرار إلغاء الاتفاقيات القائمة تحوّلًا خطيرًا في مسار الدولة الصومالية، ليس فقط من زاوية قانونية أو سياسية، بل من زاوية الأمن القومي ذاته. فهذه الخطوة لا تعزز السيادة كما يُروَّج لها، بل تضرب أسس الاستقرار، وتكشف أن الهدف الحقيقي يتجاوز حماية المصلحة الوطنية إلى إقصاء شركاء معتدلين لعبوا أدوارًا محورية في دعم الأمن والتنمية خلال السنوات الماضية.
إن إبعاد الشركاء المعتدلين، الذين ساهموا في إعادة بناء مؤسسات الدولة ودعم القطاعات الحيوية، يخلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الخطورة. هذا الفراغ لا يبقى شاغرًا طويلًا، بل سرعان ما تملؤه قوى أكثر تطرفًا، لا تؤمن بمنطق الدولة ولا بالشراكات المتوازنة، ما يهدد بعودة دوامات العنف وعدم الاستقرار التي دفع الصومال ثمنها لعقود.
الخاسر الأكبر من هذه القرارات هو الاقتصاد الصومالي بلا منازع. فالموانئ، التي تُعد شريانًا حيويًا للتجارة، ستتأثر مباشرة، إلى جانب تراجع فرص العمل المرتبطة بها، وتضرر منظومة الأمن البحري. كما أن ثقة المستثمرين، التي بُنيت بصعوبة في بيئة هشة، تتعرض اليوم لهزة عنيفة، ما يبعث برسائل سلبية للأسواق الإقليمية والدولية.
اقتصاديًا أيضًا، تفتح هذه القرارات الباب أمام تراجع الاستثمارات طويلة الأمد، وتباطؤ مشاريع البنية التحتية، وارتفاع كلفة التأمين والنقل. ومع تآكل الثقة، يصبح الاقتصاد أكثر هشاشة، وتزداد معاناة المواطن البسيط الذي يدفع ثمن قرارات سياسية لا تراعي الواقع المعيشي ولا احتياجات التنمية المستدامة.
سياسيًا، تعكس هذه الخطوات انتقال مقديشو من موقع الساعي إلى قرار وطني مستقل، إلى موقع الأداة في صراع محاور إقليمي. فبدل تبني سياسة متوازنة تخدم مصالح الصومال العليا، اختارت الحكومة التموضع ضمن محاور متصارعة، يحمل كثير منها أجندات تتعارض مع مسارات السلام والتكامل الاقتصادي في المنطقة.
إن استمرار هذا النهج يهدد بتحويل الصومال إلى ساحة صراع بالوكالة، بدل أن يكون جسرًا للتعاون الإقليمي. والمطلوب اليوم مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار لمبدأ الشراكة المتوازنة، وتحمي الأمن والاقتصاد، وتُخرج القرار الوطني من منطق المحاور، إلى منطق الدولة التي تضع مصلحة شعبها فوق كل اعتبار.

تعليق