الصومال علي خط النار
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يتحول قرار إلغاء الاتفاقيات من خطوة سياسية إلى رسالة خطيرة تمس جوهر أمن الصومال واستقراره. فبدل أن يكون القرار أداة لتعزيز السيادة، بدا وكأنه وسيلة لإقصاء الشركاء المعتدلين الذين ساهموا في فتح نوافذ للتعاون والدعم، الأمر الذي يضع البلاد أمام فراغ استراتيجي لا يخدم إلا قوى الفوضى ويقوض أي مسار جاد لبناء الدولة.
الصومال لا يعاني من فائض شراكات، بل من هشاشة أمنية واقتصادية تتطلب تنويع العلاقات والانفتاح المتوازن. وعندما يُستبدل هذا المنطق بسياسة الاصطفاف الحاد، يصبح القرار الوطني رهينة لمحاور إقليمية تسعى لفرض رؤيتها الأيديولوجية، لا لحماية مصالح الصوماليين. فالسيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الخصومات، بل بقدرة الدولة على إدارة علاقاتها دون إملاءات.
الاصطفاف العلني مع محور السعودية وتركيا لا يمكن قراءته خارج سياق الصراع الإقليمي الأوسع، حيث تُستخدم الدول الهشة كساحات نفوذ ومعارك بالوكالة. هذا الانحياز يضع الصومال عمليًا في مواجهة مسارات السلام الإقليمي، ويُقحمه في معادلات عدائية لا تخدم أمنه ولا وحدته، بل تعمّق عزلته وتضعف هامش قراره المستقل.
الأخطر أن توقيت القرار وسقفه السياسي يتطابقان مع حملة تحريض إقليمية واضحة المعالم، هدفها إعادة تشكيل المحاور وتصفية الحسابات تحت عناوين زائفة. وفي هذا السياق، يصبح الصومال أداة لا شريكًا، ووقودًا لا فاعلًا، بينما تُدفع كلفة التصعيد من أمنه الداخلي واستقراره الاجتماعي.
إن رفض الشراكات على أساس أيديولوجي، وخصوصًا تلك المرتبطة باتفاقيات إبراهام، لا يعكس موقفًا سياديًا بقدر ما يكشف ارتهانًا لرؤية خارجية ترفض أي مسار لا يمر عبرها. هذا النهج يحرم الصومال من فرص اقتصادية وأمنية حيوية، ويغلق أبوابًا كان يمكن أن تُسهم في تخفيف أزماته المزمنة.
الصومال لا يحتاج وصاية فكرية ولا حروبًا بالوكالة، بل يحتاج دولة تعي حجم التحديات وتتحرك ببراغماتية ومسؤولية. الأمن والتنمية لا يُبنيان بالشعارات ولا بالاصطفاف الأعمى، بل بسياسة متوازنة تحمي السيادة فعليًا، وتضع مصلحة الشعب فوق حسابات المحاور وصراعاتها المتغيرة.

تعليق