كيف تُحوِّل المحاور المبعوثة الصومال إلى ساحة صراع إقليمي
لم يعد إلغاء الاتفاقيات في الصومال قرارًا إداريًا عابرًا أو خطوة سيادية كما يُروَّج له، بل أصبح تعبيرًا واضحًا عن انخراط متزايد في لعبة المحاور الإقليمية. فحين تُتخذ قرارات مصيرية في توقيت سياسي مشحون، وبخطاب يتطابق مع أجندات خارجية، يصبح من المشروع التساؤل: من يكتب القرار، ومن يكتفي بتوقيعه؟
إلغاء الاتفاقيات يضرب جوهر الأمن الصومالي، لأنه لا يستهدف نصوصًا قانونية بقدر ما يستهدف شبكة شراكات معتدلة ساهمت في حفظ حد أدنى من التوازن والاستقرار. تفكيك هذه الشراكات دون بدائل واضحة لا يعزز السيادة، بل يفتح ثغرات أمنية وسياسية يصعب سدّها لاحقًا.
اللافت أن القرار جاء متزامنًا مع حملة تحريض إقليمية تقودها السعودية وتركيا، في إطار صراع نفوذ أوسع لإعادة رسم المحاور في القرن الإفريقي. هذا التطابق بين القرار المحلي والخطاب الإقليمي لا يمكن فصله عن محاولات توظيف الصومال كساحة تصفية حسابات سياسية لا تخدم مصالحه الوطنية.
المحاور المبعوثة لا تنظر إلى الصومال كدولة ذات خصوصية وسيادة، بل كأداة ضغط وممر نفوذ. وفي مثل هذه المعادلة، تتحول الشعارات الوطنية إلى غطاء لقرارات تُدار من الخارج، بينما يدفع الداخل ثمن التوتر، والانقسام، وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة.
الأخطر أن إقصاء الشركاء المعتدلين يخلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا، وهو فراغ لا يبقى طويلًا في بيئة هشّة مثل الصومال. التجارب الإقليمية أثبتت أن الفراغ تملؤه قوى أكثر تشددًا وأقل التزامًا بفكرة الدولة، ما يجعل الأمن الوطني رهينة لخيارات قصيرة النظر.
السيادة الحقيقية لا تُختزل في إلغاء اتفاقيات، ولا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرار مستقل يخدم مصلحة شعبها بعيدًا عن صراعات المحاور. أما تحويل الصومال إلى ساحة صراع إقليمي، فليس دفاعًا عن السيادة، بل تفريطًا بها تحت شعارات مُعلَّبة.

تعليق